أحمد مصطفى المراغي
35
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع )
وبتلك الصفة يتمكن من صياغة ضروب الكلام ، من مديح وهجاء وتهان ومراث ، وخطب محبرة ، ورسائل منمقة في الوعظ والإرشاد ، والمفاخرات والمنافرات . ولن يبلغ شاعر أو ناثر هذه المنزلة إلا إذا كان ملما باللغة كثير الاطلاع على كتب الأدب ، محيطا بأسرار أساليب العرب ، حافظا لعيون كلامهم من شعر جيد ونثر مختار ، عالما بأحوال الشعراء والخطباء ، ومجالس الملوك والأمراء ، محيطا بعدات العرب وأخبار أيامهم . البلاغة تقع البلاغة وصفا للكلام ، والمتكلم ، ولم يسمع وصف الكلمة بها . بلاغة الكلام بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال التي يورد فيها مع فصاحته " 1 " . ولن يطابق الحال إلا إذا كان وفق عقول المخاطبين واعتبار طبقاتهم في البيان وقوة المنطق ، فللسوقة كلام لا يصح غيره في موضعه والغرض الذي يبني له ، ولسراة القوم والأمراء فن آخر لا يسد مسداه سواه ، ولقد أفصح عن ذلك الحطيئة حين خاطب عمر بن الخطاب فقال : تحنن على هداك المليك * فإن لكل مقام مقالا قال صاحب الصناعتين : وربما غلب سوء الرأي وقلة العقل على بعض علماء العربية ، فيخاطبون السوقي والمملوك والأعجمي بألفاظ أهل نجد ، والسراة كأبي علقمة إذ قال لطبيب : " أجد رسيسا في أسناخي وأرى رجعا فيما بين الوابلة إلى الأطرة من دأيات العنق " " 2 " فقال له الطبيب ( متهكما ) : هل من وجع القرشي ؟ قال له : وما يبعدنا منهم يا عدي نفسه ، نحن من أرومة واحدة ونجل واحد . قال الطبيب : كذبت ، وكلما خرج هذا الكلام من جوفك كان أهون لك . قال : بل لك الهوان والخسارة والسباب .
--> ( 1 ) فإذا قلت : فلان مستعدد للامر ، لم يكن بليغا . ( 2 ) الرسيس ابتداء الحمى إذا فتر الجسم ، والاسناخ منابت الأسنان ، والوابلة طرف الكتف والأطرة كل ما أحاط بشيء ، ودأيات العنق نقارها .